صديقي ..
بالأمس وصلني «مسج» من صديق يجلس في «لوبي الفندق» يحتسي قهوته ويقرأ كتابا كعادته، كانت الطائرة تحت شمس ورطوبة جدة، وكنت تحت الطائرة أعدها لركاب يهربون من تلك الرطوبة اللزجة والشمس الحارقة، وكان معهم كاتب مثلك، ولست أدري هل أنت مثله تنصح المواطنين بالسياحة الداخلية وتركب الطائرات لتذهب لأوروبا الباردة والممطرة رغم أن سكانها يرتكبون المعاصي من وجهة نظرنا؟
بدا لي المشهد ضبابيا، ولم أفهم تلك الحفاوة التي كان الركاب يكللون بها الكاتب الذي ينصحهم بالسياحة الداخلية فيما هو يهرب للخارج، أظن الذاكرة مثقوبة لديهم لهذا نسوا مقالاته الكاذبة، وربما هي القيمة الاجتماعية للشخص التي تمنحه حقوقا تفوق حقوق الإنسان العادي في المجتمع، فلا يسأله أحد: لماذا تكذب علينا؟
أظن أيضا لا تحتاج أن أعتذر لك على تهويماتي في الكتابة، فأنت تعودت على مثل هذه الرسائل، لهذا سأعود من جديد لما بدأت به.
ولأن الشمس قاسية، أجلت قراءة «المسج» إلى أن أعود من جديد لمكيف السيارة بعد أن تذهب الطائرة بالركاب والكاتب لباريس.
كان «مسج» الصديق عبارة عن جملة واحدة تحاول تخفيف قسوة الشمس والرطوبة مفادها: «لو كان الجميع عباقرة لامتلأ العالم بالقاذورات وفسد، لهذا؛ العالم بحاجة لمن يعمل حتي لا تتوقف الطائرات والحياة».
فكتبت له: «حسنا سأختار أن أكون عبقريا في اللوبي أقرأ كتابا واحتسي قهوة، وأنت العامل».
فرد علي: «للأسف المقادير قررت نيابة عنا، لهذا لا تقم بدور العبقري وأنت تغير زيت محرك الطائرة، حتى لا تفسد رحلة الركاب، واترك إفساد العالم لي، العبقرية صعبة جدا، تحتاج إفساد نفسك أولا لتكون جاهزا لإفساد العالم، وأنت لم تفسد بعد، مازلت عاملا».
ضحكت على جنونه وإنسانيته، فأنا أعرف أن رسالته كانت تعاطفا مع شخص تحرقه الشمس، في نفس الوقت هو والمضيفين الأكثر عرضة للإصابة بوباء «انفلونزا الخنازير» بسبب احتكاكهم بالقادمين، ولا يدفع له وللمضيفين بدل خطر، ومع هذا عليه ألا يخطئ أيضا.
صديقي ..
ذات مرة كتبت أنت عن أن المساواة أحيانا تكون ظلما، وهذا صحيح، وخصوصا لنا نحن القابعين تحت الطائرات والشمس تحرقنا والرطوبة تجعل ملابسنا لا تطاق، وضجيج محركات الطائرات يخترق آذاننا، ورغم كل هذا تتم مساواتنا في سنوات التقاعد مع القابعين في المكاتب تحت المكيفات، لماذا لا يعيدون النظر في هذه المساواة الظالمة؟
لماذا لا يقللون من سنوات التقاعد بالنسبة للعاملين، ولا يجعلونهم كالعباقرة الذين يجلسون تحت المكيفات في المكاتب أو «لوبي الفندق»؟
على فكرة.. إن آمنا بتلك المقولة التي أرسلت لي، هذا يعني أن سبب أوضاع العالم العربي يكمن بأن الغالبية عباقرة، لهذا لا يعملون.