كالعادة (شيل أبوك.. حط أبوك).. حيث يظهر قرار مفاجئ يلغي كل القرارات التي سبقته ويعطل كل القرارات التي تليه دون توضيح أو تلميح أو تصريح، وهكذا تتحول عجلة الأيام إلى وقت مستقطع فيضطر العابرون للجلوس على رصيف الانتظار، قد لا يكون القرار خاطئا في عناوينه العامة ولكنه يجئ بلا تفاصيل، وحين تغيب التفاصيل يصبح العنوان العام عبئا على من أصدره ومشكلة كبيرة لمن يضطر إلى الالتزام به.
وقرار وقف تصاريح البناء في بعض مخططات جدة لا غبار عليه من الناحية المبدئية، فدراسة أوضاع هذه المخططات وإعادة تقييم مدى صلاحيتها للسكن أمر ضروري بعد كارثة السيول، ولكن الغبار يأتي من كون هذا القرار صدر مبهما فهو لا يحدد موعدا لانتهاء الدراسة التي قيل أن شركة عالمية سوف تقوم به، كما أنه لا يطرح حلولا لمن يثبت أن أرضه في مجرى السيل وغير صالحة إطلاقا للسكن.
من المهم أن نستوعب دروس الأيام ونعتمد الشفافية منهجا في كل قراراتنا وإلا لأصبحت هذه القرارات مجرد ردود فعل ارتجالية تؤدي إلى تعميق المشكلة بدلا من إيجاد حل جذري، لذلك يأمل الكثير من المواطنين الذين دفعوا (تحويشة العمر) في أراض ضمن مخططات سكنية في بعض أحياء جدة أن يكون قرار وقف تصاريح البناء في هذه المخططات مرتبطا بفترة زمنية محددة كي لا يصنعوا من صكوك هذه الأراضي طائرات ورقية يتسلون بها في وقت الفراغ الطويل.
أما المسألة الأهم والتي لابد من توضيحها فتتعلق بكيفية تعويض المواطنين الذين اشتروا أراضي في تلك المخططات، فالمواطن الذي أصبحت (تحويشة عمره) تحت الدراسة يحتاج من يطمئنه على مصير (تحويشته) إذا رسبت أرضه في اختبار الشركة العالمية، فهل سيتم تعويضه ماليا أم سيمنح أرضا بديلة، أم أنه سيضم هذه الخسارة إلى خسائره في سوق الأسهم وتبخر راتبه مع موجات غلاء الأسعار ويردد يائسا: (المهم الصحة)!.
لاشك أن المسؤولية تحتم على الجهات المعنية عدم السماح للمواطنين بالبناء في أراض يتضح أنها في مجرى السيل، ولكن هذه الجهات يجب أن تضع في اعتبارها أن هؤلاء المواطنين دفعوا كل ما يستطيعون توفيره من أموال لشراء هذه الأراضي دون أن يخبرهم أحد أن هذه الأراضي سوف تكون في يوم من الأيام تحت الدراسة، وهم اليوم بأمس الحاجة للإجابة على سؤالين رئيسيين: متى سوف تنتهي هذه الدراسة؟ وما الذي سيحدث لأراضيهم إذا ثبت أنها غير صالحة للسكن؟!.